الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

347

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

لأمارات كانت حجّة عليه حين العمل . وبعبارة أخرى : لا إطلاق في الاجتهاد الثاني ليشمل موارد الاجتهاد الأوّل ويعمّ الواقعة السابقة ، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك ، ولعلّ هذا هو مراد من قال : « الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين » « 1 » ، ولعلّه هو العلّة للسيرة المدّعاة في كلمات بعضهم على عدم إعادة الأعمال السابقة وكون الإعادة أمراً مستغرباً في أذهان أهل الشرع بأن يعمل بفتوى مجتهد عشرات سنة ، ثمّ بعد تبدّله أو تقليد مجتهد آخر يعيد جميع أعماله الّتي عملها في هذه السنوات ، وكذلك فيما بعده من تبدّلات الرأي ، ولعلّه أيضاً المصدر الوحيد لما ادّعى من الإجماع في المسألة ، ولا أقلّ في العبادات « 2 » . وإن شئت قلت : الإجماع المدّعى والسيرة المستمرّة الّتي وردت في كلمات بعضهم - ولا يبعد قبولها في الجملة - أيضاً مؤيّدتان لما ذكرنا من الدليل . هذا فيما إذا كانت فتوى المجتهد على أساس أمارة من الأمارات الشرعيّة ، ومنه يظهر الكلام في الأصول العمليّة العقليّة أو الشرعيّة ، فإنّ الحكم الحاصل منها حكم ظاهري ، وقد عمل به المكلّف ، ثمّ تبيّن بحسب الاجتهاد الثاني خلافه ، فيأتي جميع ما ذكرنا في الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة . وملخّص الكلام في المقام : أنّ تبدّل الرأي على ثلاثة صور : تارةً يكون العمل قد مضى ثمّ تبدّل الرأي ، ففي هذه الصورة لا إشكال في الإجزاء إلّافيما إذا كان مدرك الاجتهاد السابق هو القطع وانكشف خلافه . وأخرى : السبب قد مضى والمسبّب باقٍ على حاله كما في مثال الذبيحة فإنّ عمل التذكية فيها قد مضى وأمّا الحيوان المذكّى فهو موجود في الحال ، ومثل عقد النكاح بالفارسية فالعقد قد مضى وأمّا مسبّبه وهو الزوجيّة باقٍ على حاله ، ومثل ما إذا اشترى داراً بعقد المعاطاة فمسبّبه وهو ملكيّة الدار باقية على حالها ، ففي هذه

--> ( 1 ) . الفصول الغروية ، ص 409 ( 2 ) . انظر : هداية المسترشدين ، ج 3 ، ص 711 ؛ أجود التقريرات ، ج 1 ، ص 206